الرئيسية / اخبار / محلي / سبارتاكوس الجزيرة فيصل القاسم .. بين أنف الناقة وذنبها نارام سرجون

سبارتاكوس الجزيرة فيصل القاسم .. بين أنف الناقة وذنبها نارام سرجون

نارام سرجون / كل سوريا 

لأول مرة في حياتي أحس بتأنيب الضمير .. وأحس أنني قد سقيت احدهم زجاجات النبيذ حتى الثمالة .. فصار يسير مترنحا في الطرقات يتعثر في أرصفة مقالاتي وكلماتي ويرتطم رأسه بأعمدة اللغة الرخامية .. فيتورم جبينه وعينه .. ويدوس حافيا على سكاكين الكلام والاسلاك الشائكة التي تسيّج هيبتي .. ويسقط من ثيابه وهو يهلوس باسمي متلعثما ويدعو عليّ ان يبليني ربي بمثل ما أبلاه الله .. وبلواه هي بلوى العيش بين أنف الناقة ..وذيلها ..

في الحقيقة لن أبالغ ان قلت بانني أحس بعقدة ذنب كبيرة وأنا أرى أنني تسببت بمشكلة نفسية لفيصل القاسم وبعاهة عقلية مستديمة له عن غير قصد .. فصار يحدث نفسه على تويتر كما لو أنني غريمه الوحيد في الحياة وقد قاسمته فراشه وخبزه وتركة أبيه .. ومن يتابعه هذه الأيام يعتقد أن الحرب والنزاع لم يكونا بين الشعب السوري والرئيس بشار الأسد من جهة وبين باراك أوباما وقطيع أبقاره من جهة أخرى .. بل المشكلة الحقيقية هي بين نارام سرجون وباراك أوباما وهولاند وكاميرون .. وانني خذلت الشرق بانني لم اضغط على أزرار الصواريخ التي كان القاسم ينتظرها .. بل أعطيت مفاتيح الحقيبة الكيماوية للغرب وحطمت قلب القاسم .. ومن يقرأ فيلسوف التويتر يظن أنه ابن شيمون بيريز أو شقيق جون ماكين لكثرة احتفالاته وشماتته بسقوط الردع السوري على أقدام أبيه أوباما كما يعتقد .. وابتهاجه بسقوط صواريخ نارام سرجون ..

وهذه أول مرة أحس باحساس المذنب بحق لغتي وأنا أرى لغتي الرصينة العزيزة على قلبي التي يجري في عروقها العطر وينبت على ضفائرها الغار .. تترك الحرب ومنازلة الأوغاد وترمي بالسيف .. لتغسل يديها بالماء والصابون بعد هذه المقالة المضمخة برائحة فيصل القاسم ونكهته ورائحة عرقه .. اليوم تحمل هذه اللغة مروحة صينية تطرد الرائحة والذباب والبعوض الذي انتشر من قمامات الربيع العربي وجيف الحرية المستوردة وبخار فم فيصل القاسم .. فهل تغفرين لي أيتها اللغة؟؟   

فيصل-القاسم

ليس بيني وبين فيصل أي ثأر شخصي ولم يهاجمني على عادة الثورجيين ببذاءة لسان وشتائم مقذعة وهذا يحسب له بالتأكيد .. ولاأقدر على أن أكره الرجل لأنك لاتقدر على أن تكره المهرجين .. فللمهرجين عذر عندي ومعطف يقيهم كراهيتي .. ولم يحدث اتصال بيني وبينه الا مرة واحدة بالصدفة على الهاتف منذ سنوات طويلة ولدقائق لشأن لاعلاقة له بالاعلام .. الا أنني لم أتردد في أن أغمز منه بشكل لاذع في كتاباتي من باب الرأي في الأشياء والمواقف لأن تصريحاته المستهترة كانت مثيرة للاشمئزاز ويستحق بسببها أن يشد من أذنه كما التلاميذ المشاغبون .. ولن أتردد في الغمز منه مستقبلا لأنني لاأستحي من ابداء رأيي ولأن في الرجل دعابة وجاذبية كوميدية لاأنكرها ولاأقدر على مقاومتها .. وهو بالطبع كان يرد علي عبر تويتر بطريقته الساخرة المستهزئة .. لكن لم أكن أعرف أن كتاباتي الأخيرة قد شقت له قلبه وأخرجته عن طوره ولم يعد يرى في الدنيا وزحمة الاحداث وصراع الأمم ومناوشات الأساطيل الا بريق كلامي .. ورؤوس صواريخي ..ودخان حرائقي ..

 

وأذكر أنني كنت منذ سنوات أمر بجانب مكتبة الأسد في دمشق مساء وفوجئت بحشد كبير من الناس ملؤوا الساحة فيها وانتشروا على ضفاف الشارع الملاصق لها .. وبالكاد يمكن دخول المزيد وكأن مباراة لكرة القدم بين فريقي ريال مدريد ومانشستر يونايتد ستجري في حرم مكتبة الأسد أو أن الفنان جورج وسوف سلطان الطرب قرر ان يغني على درجات مكتبة الأسد أغنية يطرب لها الجمهور وتسلطن عليها حتى الكتب على الرفوف .. ولكني ذهلت عندما عرفت أن الجموع بانتظار محاضرة لفيصل القاسم .. انه منظر جموع لايشبه الا جموع الذين ينتظرون محاضرات جاسوس الجواسيس عزمي بشارة ..

في تلك اللحظة قلت لمرافقيّ .. “انظروا جيدا ولاتنسوا هذا المشهد .. انه من علامات عصر الانحطاط .. لانه عندما يتحول مهرج الى فيلسوف يعلم الناس فان الشعب لن ينتج الا ..الفوضى الخلاقة” ..ماذا لدى فيصل ليتعلم منه الناس؟؟ ليس بصاحب كتاب ولا بمؤلف ولاشاعر .. وليست له نظرية في احياء الأمم ولانهاية التاريخ ولابدايته .. وهو مجرد مقدم برامج من نوع رديء لاتعلم الا الانحطاط .. ومع هذا يجتمع له ولعزمي بشارة مالم يجتمع لنزار قباني ومحمود درويش .. أمة تجتمع لتتعلم الحرية من مهرج مثل فيصل وجاسوس اسرائيلي مثل عزمي هي أمة تنحدر ..  

 

نعم .. الأمة التي تعجب وتتعلم من ثقافة فيصل القاسم وأمثاله أمة تعيش في قاع الانحطاط الثقافي والنخر الأخلاقي والمعرفي .. ولا يوجد أعمق من هذه النقطة في العالم السفلي للثقافات.. وهي أخفض نقطة ثقافية على كوكب الأرض مثل موقع في البحر الميت .. وثقافة فيصل هي بعمق انخفاض البحر الميت .. لثقافة ماتت وغرقت في البحر .. ولا انحطاط بعدها ..

واذا كانت الزلازل تقاس بمقياس ريختر .. فان مقياس الانهيار الثقافي لانحطاط الفكر والمنهج العقلي السليم هو مقياس فيصل القاسم لزلازل الأخلاق .. بتسع درجات فيصلية .. لأنه طوال عامين لم يقدم لنا رأيه في حرية قطر وقاعدة العيديد ولافي فكر (أبو متعب) أو الشرف الرفيع للمناضل الأممي بندر بن سلطان .. ولا حتى رأيه في مشاهد ذبح الناس أمام الأطفال بيد الثوار الهمج في مشاهد صار أكلة لحوم البشر يتعحبون منها وصار العالم كله يرفع حاجبيه وهو يتعجب من هذا الشعب الذي تحول من كتابة الأبجدية الى أكل لحوم البشر باسم رد الفعل على شوقه للكرامة ورفضه للعنف .. ولاندري كيف سيبرر فيصل أن النظام السوري حكم عقودا لكنه لم يعرف عنه أنه ذبح أحدا على قارعة الطريق أمام أمه وأبيه .. مثلما فعل المجرم النفسي شافي العجمي وأتباعه وثوار أردوغان في حلب..

الرجل لايعرف هو نفسه أين هو .. ومن هو .. ولا ماذا يريد .. ولاأحد يعرف على وجه الدقة ماالذي ضيعه فيصل التائه .. فيصل الذاهل والمذهول .. يتحدث وكأنه عضو في مجلس شيوخ روما القديمة أو أنه سبارتاكوس الذي قاد ثورة العبيد في روما .. وبرنامجه الاتجاه المعاكس يترجم نفسيته .. ويعكس شخصيته كما تعكس المرآة الوجوه … عقله عقلان في اتجاهين متعاكسين .. والحقيقة هي أنه في البرنامج الذي اشتهر من خلاله انما يمارس طبيعته ويترك عقله يتصرف بعفوية مطلقة .. ومايراه الناس في برنامجه هو عقله العاري المنشطر من غير أقنعة مسرحية واكسسوارات واضاءات .. ولاتوجد لحظة يتجلى فيها فيصل ويبدو فيها نقيا الا في هذه الفترة التي نراه فيها في اطلالاته الهوجاء .. انها اللحظات التي يخلع فيها عقله كل الملابس التنكرية ويمارس فيها ساعة التنفس كما السجناء .. خارج الزنازين ..عقله السجين يخرج ليسجن الناس في زنازين الجهل ..

انني كنت أحس بالعتب على الزمن الذي صار فيه أمثال فيصل قادة للرأي وصناع المزاج الشعبي .. وبدا ذلك لي كما يستولي أصحاب الحانات والكازينوهات على المكتبات القيمة ويحيلونها الى مقاه ومقاصف يشرب فيها الناس الأركيلة مع نكهة الحشيش والأفيون وضحكات بنات الهوى .. وبدل الصمت المقدس أمام هيبة الكتب التي تصطف على رفوف المكتبات كما لو أنها صفوف المصلين بخشوع المتعبد في المعابد .. بدل هذا الصمت المهيب تسمع قرقرة الأراجيل وطقطقة أحجار النرد والمجادلات الغاضبة للاعبي الورق والقمار .. ولكنك أيضا تسمع اصوات الحشاشين والسكارى وصوت الشهوة ..

حانة فيصل لاتشبهها حانة .. الرجل كان في برنامجه يدمر ثقافة الحوار البناء حيث التلاقح الفكري وتلاقح الليل والنهار ليولد الزمن .. العقول في برنامجه تتناطح كما تتناطح الثيران مع الثيران في مواسم التكاثر والالقاح البهيمي حتى تثخنها الجراح .. بل ان جهاد النكاح .. والتحرر بالناتو .. وسطوع شمس الأوطان من تحت عباءة برنار هنري ليفي .. وذبح الناس للناس .. هي ثمار لبذور بذرها هذا البرنامج الذي جعل نقيض المنطق وجهة نظر قابلة للحياة .. فتزوج الجهاد من النكاح لأول مرة في التاريخ بعد أن كان الجهاد صديقا للنفس والروح .. حيث صار للجهاد هرمونات ذكورية عالية لتتدفق في جيمه الشهوة وتنتصب ألفه ويضاجع النكاح .. فعندما يغيب المنطق ويلتقي مع اللامنطق يضاجع الجهاد النكاح .. ويصبح قلب الناتو هو قلب الحرية .. وباراك أوباما مولودا في الكعبة .. وبرنار هنري ليفي يصبح راويا للحديث والصحاح .. ونتنياهو يتعبد معنا في غار حراء .. انه الاتجاه المعاكس للطبيعة والتاريخ والجغرافيا ..

لاأدري من يقبل على نفسه أن يشارك في برنامج لفيصل القاسم .. الرجل لم يعد محايدا في مواقفه وبالتالي لايحق له من الناحية المنطقية والأخلاقية أن يدير نقاشا في الأزمة السورية لأنه صار طرفا مباشرا وله موقف واضح وبرنامجه منصة لبث بيانات الثورجيين وليس لحل المشكلة أو عرضها .. وهو لم يدر حلقة واحدة يسأل فيها عن المبرر الأخلاقي والحضاري لذبح السوريين والجنود علنا أمام الكاميرا أمام الأطفال بيد ثواره وعلى مدار سنتين .. وبالتالي من السذاجة ان يرى برنامج يكون فيه الخصم والحكم من هذا العيار الاخلاقي ..

وفيصل على مايبدو ينتمي الى ذلك النوع من الناس الذين يتمسحون على الأعتاب .. ويروى عن أحدهم أن ثورجيا سوريا شوهد يتمسح على أعتاب أمير قطري .. ويكثر من مديحه له .. حتى قال له .. “لقد أثبتم بوقوفكم مع حرية الشعوب العربية أنكم أيها الأمير أعلى ذروة في جسد هذا الشرق” .. ولكي يفهم الأمير بلغة بيئته مقصد الثورجي أضاف الأخير قائلا: لايصح فيكم أيها الأمير الا قول الشاعر:

 

قوم هم الأنف ..والأذناب غيرهم ..

فمن يسوّي بأنف الناقة الذنبا ..

 

وفيصل لايزال منذ تلك اللحظة يعيش في أنف الناقة ..ويتردد بين أنفها وذنبها

 ..

هناك “كلمتان ورد غطاهن” لفيصل ليعرف كيف أنظر اليه .. وكيف أنظر الى نفسي .. فلا تنزعج من اعتزازي بنفسي ولا من التشبيه الذي اسوقه وانظر اليه على أنه هجاء عربي:  

يافيصل .. انني قبس .. انني لهب مضيء .. ولذلك تراني محاطا بالفراش الذي يخفق بعصبية بأجنحته ليمسك الضوء ويقف على الشعاع بأرجله .. حولي يطوف الفراش فقط .. وقد يموت من لهبي .. حذار حذار من لهبي ..

ولقد فوجئت عندما رأيت مخلوقا طنانا يحوم حول اللهب وزرقة النيران يحاول أن يخفق كالفراش .. ولكن الذباب الطنان لم يخلق ليحوم حول الضوء يافيصل .. بل ليقف على أنوف المواشي .. حيث تقف يافيصل .. في قطر .. زريبة العرب..

أخيرا .. من عادتي يافيصل أن أضع خصومي في قدور جهنم وأسكب عليهم مهل اللغة .. وأترك أسماءهم تتشقق وتنفصل الى حروفها .. لكني هذه المرة سأحترم أنك لست بشتام ولا لعّان .. ولذلك فسأتركك تسعى بين أنف الناقة وذيلها كما يحلو لكل الثورجيين .. وسأترك غضبي لغيرك ممن تطاول على الشعب السوري واستقلاله .. لأنني سأدخله في الناقة .. من الاتجاه المعاكس لأنف الناقة..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>